الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

146

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

كثيرا . وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا في سورة الإسراء [ 85 ] . وقال الترمذي عن ابن عباس : قال حيي بن أخطب اليهودي : في كتابكم وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 269 ] ثم تقرءون : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ، فنزل قوله تعالى : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي . . . الآية . وكلمات اللّه : ما يدلّ على شيء من علمه مما يوحي إلى رسله أن يبلغوه ، فكل معلوم يمكن أن يخبر به . فإذا أخبر به صار كلمة ، ولذلك يطلق على المعلومات كلمات ، لأن اللّه أخبر بكثير منها ولو شاء لأخبر بغيره ، فإطلاق الكلمات عليها مجاز بعلاقة المآل . ونظيرها قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [ لقمان : 27 ] . وفي هذا دليل لإثبات الكلام النفسي ولإثبات التعلّق الصلوحي لصفة العلم . وقل من يتنبه لهذا التعلّق . ولما كان شأن ما يخبر اللّه به على لسان أحد رسله أن يكتب حرصا على بقائه في الأمة ، شبهت معلومات اللّه المخبر بها والمطلق عليها كلمات بالمكتوبات ، ورمز إلى المشبه به بما هو من لوازمه وهو المداد الذي به الكتابة على طريقة المكنية ، وإثبات المداد تخييل كتخيّل الأظفار للمنية . فيكون ما هنا مثل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ فإن ذكر الأقلام إنما يناسب المداد بمعنى الحبر . ويجوز أن يكون هنا تشبيه كلمات اللّه بالسراج المضيء ، لأنه يهدي إلى المطلوب ، كما شبه نور اللّه وهديه بالمصباح في قوله تعالى : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ [ النور : 35 ] ويكون المداد تخييلا بالزيت الذي يمد به السراج . والمداد يطلق على الحبر لأنه تمد به الدواة ، أي يمد به ما كان فيها من نوعه ، ويطلق المداد على الزيت الذي يمد به السراج وغلب إطلاقه على الحبر . وهو في هذه الآية يحتمل المعنيين فتتضمّن الآية مكنيتين على الاحتمالين . واللام في قوله لِكَلِماتِ لام العلّة ، أي لأجل كلمات ربي . والكلام يؤذن بمضاف محذوف ، تقديره : لكتابة كلمات ربي ، إذ المداد يراد للكتابة وليس البحر مما يكتب به ولكن الكلام بني على المفروض بواسطة ( لو ) .